محمد بن جرير الطبري

171

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

و " الرأفة " ، أعلى مَعاني الرحمة ، وهي عَامَّة لجميع الخلق في الدنيا ، ولبعضهم في الآخرة . * * * وأما " الرحيم " : فإنه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة ، على ما قد بينا فيما مضى قبل . ( 1 ) * * * وإنما أراد جل ثناؤه بذلك أنّ الله عز وجل أرْحمُ بعباده منْ أن يُضيع لهم طاعةً أطاعوه بها فلا يثيبهم عليها ، وأرأفُ بهم من أن يُؤاخذهم بترك ما لم يفرضه عليهم - أيْ ولا تأسوا عَلى مَوْتاكم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس - ، فإني لهم = على طاعتهم إياي بصَلاتهم التي صلوها كذلك = مثيبٌ ، لأني أرحم بهم من أن أضيع لهم عملا عملوه لي ؛ ولا تحزنوا عليهم ، فإني غيرُ مؤاخذهم بتركهم الصلاة إلى الكعبة ، لأني لم أكن فرضت ذلك عليهم ، وأنا أرأف بخلقي من أن أعاقبهم على تركهم ما لم آمرهم بعمله . * * * وفي " الرؤوف " لغات . إحداها " رَؤُف " على مثال " فَعُل " ، كما قال الوليد بن عقبة : وَشرُّ الطالِبِينَ - وَلا تَكُنْه - . . . بقَاتِلِ عَمِّه ، الرَّؤُفُ الرَّحِيم ( 2 )

--> ( 1 ) انظر ما سلف 1 : 126 - 134 . ( 2 ) كان في المطبوعة : " الرؤوف الرحيما " . وجاء على الصواب في القرطبي 2 : 145 ، وأبي حيان 1 : 427 ، وفيهما خطأ آخر ، الأول فيه " يقاتل " ، والثاني " يقابل " ، وكأن هذا البيت من شعر الوليد بن عقبة ، الذي كتب به إلى معاوية يحض معاوية على قتال علي رضي الله عنهما . وهي في أنساب الأشراف : 140 ، وتاريخ الطبري 5 : 236 - 237 ، وحماسة البحتري : 30 ، واللسان ( حلم ) وغيرها ، وليس فيها هذا البيت ، وكأنه قبل البيت الذي يقول فيه : لَكَ الْوَيْلاتُ ! أَقْحِمْهَا عَلَيْهِمْ . . . فخيرُ الطَّالبي التِّرَةِ الغَشُومُ وقوله : " لا تكنه " ، دعاء له ، واستنكار أن يكون كهذا الطالب الثائر الذي يطالب بدم عمه ، وهو رؤوف رحيم بعدوه وقاتل عمه ، وهو شر طالب ثأر .